الشيخ محمد السند

134

تفسير ملاحم المحكمات

لحركة الفكر وانحباس النفس في طوق الحيرة وإياسها عن السير والحركة الفكريّة لرفع المجهول وتبديله إلى المعلوم ، ومن ثمّ يحقّق من أنّ الشكّ والريب شعار الجهل والجاهليّة ، وهو المنهج السفسطي . وممّا يشير إلى كون الريب حالة توقّف في الفكر والفحص العلمي ما يشير إليه قوله تعالى الآتي ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) « 1 » ، حيث يتضمّن المقابلة بين الريب وبين الفحص والتثبّت العلميّ ، حيث يخاطب القرآن الكريم الكافرين بكون القرآن نازل من عند اللَّه ، وأنّه معجزة بأنّ المكث في الريب والتشكيك والحيرة والتردّد لا يوجب انكشاف الحقيقة ، وليس نهجاً يتحرّى فيه العلم بحقيقة الحال . فمن ثمّ دعاهم القرآن الكريم للفحص عن كونه معجزاً بمحاولتهم للإتيان بسورة من مثل القرآن كي يتبيّن لهم أنّ ذلك بوسعهم ، أو أنّهم عاجزون عن ذلك . فهذه دعوة إلى الفحص العلمي في قبال الجمود الموجود في حالة الريب الذي هو قذف من بعيد عن متناول الحقيقة ، ثمّ يدعوهم القرآن الكريم إلى خطوة علميّة أخرى إذا عجزوا أو لم يسلكوا الخطوة الأولى ، وهي أخذ الحيطة بمراعاة جملة من الاحتمالات والمحتملات ، وهذا يغاير ما يمارسه المرتاب بسبب حالة الريبة ، فإنّ تلك الحالة من الريب أو التشكيك تدفعه إلى الجحود والإنكار بعجلة واندفاع من دون استبيان وتثبّت وتحرّي فاحص ، مع أنّ قواعد المنهج العلمي التي يدركها العقل السليم ، والتي ينبّه عليها القرآن المجيد ، أنّ اللازم عدم النفي

--> ( 1 ) البقرة 2 : 23 و 24 .